شكيب أرسلان
213
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
وبجانب المسجد قبة فيها قبر حبر الأمّة عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما ، إلا أن الوهابيين أزالوا القبة ، وأبقوا القبر ، وذلك بحسب عادتهم في هدم القباب ، وكراهية زيارتها على الوجه الذي اعتاده كثير من العوام وبعض الخواص من الاستغاثة والتوسل وتقبيل الحجارة وما شاكل ذلك ، مما هو خلاف الشّرع ، ولا يسمعون فيه لومة لائم « 1 » . ولما كنت هناك زار الطائف قاضي القضاة بمكة الشيخ عبد اللّه بن حسن ، وهو من ذرية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، فرأى بجانب الضريح العباسي خلف الجدار شجرة سدر صغيرة ، فأمر بقطعها ، خشية أن يتبرّك العوام بها . ولا إنكار أنّ الوهابيين يبالغون في الهدم والقطع والنقض والقلع كلّما مرّوا بقبة ، أو مزار ، أو شجرة تعلّق عليها خرق ، وتقشعرّ جلودهم من هذه المناظر ، ولكنّي مع اعترافي بغلّوهم في هذا الأمر ، لا أراهم حائدين فيه عن سنن الشرع القويم . وإني لأروي للقرّاء قصة جرت معي في تلك الأرض ، وهي أنّي كنت وجماعة من إخواني نتنزّه في الوهط ، قرية عمرو بن العاص المشهورة ، وهي على نحو ساعة ونصف من الطائف ، إلى جهة جبل
--> ( 1 ) قد صحّت الأحاديث النبوية بالنهي عن الصلاة إلى القبور ، وعن تشييدها وتشريفها ، وبلعن الذين يتّخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد ، والذين يضعون عليها السّرج . وصرّح الفقهاء بتحريم ذلك ، وبوجوب هدم ما يبنى عليها ، وتسوية القبور المبنية بالأرض ، كما تراه في « الزواجر » لابن حجر [ الهيتمي ] الشافعي . وفقهاء الحنابلة أشدّ من غيرهم في هذا ، والوهابيون حنابلة . وذكروا أنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أمر بقلع الشجرة التي بايع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أصحابه تحتها بيعة الرضوان ، وإعفاء أثرها ، لأنّه علم أنّ بعض حديثي العهد بالإسلام يتبرّكون بها ، فهل يعدّ الوهابيون غلاة في العمل بما ذكر ، وقد فشت في الناس عبادة قبور الصالحين ، كما سيأتي في كلام الأمير ، وهو قليل من كثير ؟ مصححه .